ملا محمد مهدي النراقي
329
جامع الأفكار وناقد الأنظار
التفصي عمّا يرد على كلّ من المذاهب الّتي قيلت فيها مشكل ، إلّا أنّا نعلم انّ ما هو الحقّ ويجب الاذعان به انّ المؤثّر بالذات ليس إلّا الواجب بالذات ، لأنّ كلّ قدرة وقوّة حيثما كانت فائضة منه - تعالى - ، وهو الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى « 1 » والآثار كلّها تابعة للوجود وهو تابع للماهية وهي تابعة لجاعلها خارجة به من الليس إلى الأيس . فالوجود والشروط والأسباب والآلات و - بالجملة كلّما يتوقّف عليه وجود المعلولات عن الأفاعيل والحركات والسكنات وأصل القدرة والقوّة على كلّ فعل حتّى قوّة التخيل والتفكّر ونفس الإرادة كلّها - فائضة من مبدأ الموجودات . إلّا أنّ القدرة لمّا كان شأنها ترجيح أحد الطرفين بمجرّد الإرادة بدون مرجّح آخر لاستلزامه الترجيح بلا مرجّح بل مع مرجّح آخر وهو تصوّر / 70 DB / نفع محروم أو مظنون ناش عن القوّة العلمية المدركة للنفع والضرّ . ومثل هذا المرجّح لا يفتقر حدوثه إلى مرجّح آخر ، لكونه حسنا في نفسه أو باعتقاد العبد وأصلح له في الواقع أو باعتقاده يكون هذا الاختيار - أي : اختيار أحد الطرفين - مع مرجّحه الّذي هو التصوّر المذكور من العبد . فلو قيل له : لم اخترت الايمان دون الكفر ؟ ، فله أن يقول : لكون الايمان حسنا وأصلح ؛ ولو قيل له : لم اخترت الحسن والأصلح ؟ ، فله أن يقول : لأنّ ذات الحسن والأصلح يقتضي ذلك ، إذ العاقل لا يختار القبيح وغير الأصلح . ولو قيل للكافر : لم اخترت الكفر ؟ ، فله أن يقول : لأنّ نفسي لا يرضى بالتابعية والانقياد لغيري ! . فلأن قيل : لم لا ترضى بذلك ؟ ، فله أن يقول : لأنّ عدم التابعية مطلوب عندي ؛ وهنا ينقطع الكلام . ولو قيل للزاني : لم اخترت الزنا ؟ ، فله أن يقول : لالتذاذ نفسي ، ولو قيل : لم اخترت الالتذاذ ؟ ، فله أن يقول : لانّه مطلوب في نفسه . ولو قيل لتاركه : لم اخترت الترك ؟ ، فله أن يقول : لأنّي خفت من العذاب . فالوجوب واللزوم انّما يحصل بحسن الفعل وصلاحه في ذاته أو باعتقاد العبد . فينقطع التسلسل ولا ينتهي إلى ما هو من عند اللّه ليلزم الجبر ، ولا إلى ما تقتضيه الماهية ليلزم الاشكالات الضعيفة المذكورة المشهورة . فثبت انّ جميع الأسباب والشرائط وبالجملة غير اختيار أحد الطرفين من
--> ( 1 ) - كريمة 50 ، طه .